ابن الجوزي
249
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
مثلك ؟ ألم أكتب إلى ابن أبي بردة قاضي الكوفة ألا يقطع أمرا دونك ؟ قلت : كل ذلك قد كان أصلح الله الأمير ، قال : فما الَّذي أخرجك ؟ قلت : أحزن بنا المنزل ، وضاق بنا المسلك ، وأجدب [ بنا ] الجناب ، واكتحلنا السهر ، واستشعرنا الخوف ، ووقعنا في حرب والله ما كنا فيها بررة أتقياء ، ولا فجرة أقوياء ، فقال : صدق ، أطلقا عنه . فقال : وأمرني بلزوم بابه . وفي هذه السنة بنى الحجاج واسط القصب [ 1 ] وكان سبب ذلك أن الحجاج ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان ، فعسكروا بحمّام عمر [ 2 ] . وكان فتى من أهل الكوفة حديث عهد بعرس ، فانصرف إلى منزله ليلا ، فإذا سكران من أهل الشام قد طرق الباب ، فقالت المرأة : هذا كل ليلة يأتينا فنلقي منه المكروه ، فلما دخل ضرب الفتى رأسه فأندره ، فلما أصبحوا علم الناس بالقتيل ، فذهبوا به إلى الحجاج ، فسأل المرأة فصدقته ، فقال : قتيل إلى النار ، لا قود له . ثم نادى مناديه : لا ينزلن أحد على أحد ، وبعث روّادا يرتادون له منزلا حتى نزل أطراف كسكر . فبينا هو في موضع واسط إذا راهب قد أقبل على حماره ، فلما كان في موضع واسط بالت الأتان ، فنزل الراهب فاحتفر الأرض وحمل التراب فرمى به في دجلة [ 3 ] ، فقال الحجاج : عليّ به ، فجيء به ، فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله عز وجل فيه ما دام في الأرض من يوحد [ 4 ] ، فبنى المسجد في ذلك الموضع . أخبرنا أبو منصور القزاز ، قال : أخبرنا أبو الحسين بن النقور ، قال : أخبرنا الحسين بن هارون الضبي ، قال : في كتاب والدي عن البيهقي ، قال : أخبرني الرياشي ، قال :
--> [ 1 ] تاريخ الطبري 6 / 383 . [ 2 ] في الأصول : « حمام عمره » وما أوردناه من الطبري . [ 3 ] كذا في الأصول : « فاحتفر ذلك البول فرمى به في دجلة » . [ 4 ] في الأصول : « فيه كما إن في الأرض من يوحده » . وما أوردناه من الطبري .